كتبت: د. سمية النحاس
أرجع أمين عام المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر (آركو) الدكتور صالح بن حمد التويجري؛ اختلال التوازن البيئي إلى عبث الإنسان واستغلاله لعناصر البيئة المكونة من التربة والماء والنباتات الخضراء؛ مشيراً إلى أن الثورات الصناعية المتعاقبة؛ وما حققته من زيادة في رفاهية الإنسان؛ اقترنت بها مضرة خفيّة؛ وأشتد التمادي في هذا الأمر تدفعه أهداف اقتصادية طغت على الجانب الإنساني في كثير من الأحيان؛ مشدّداً على أن ما يشهده عالم اليوم من كوارث مناخية وصحية إلا نتاج للعبث في التركيبة الطبيعية للبيئة الصالحة للحياة.
وقال أمين عام المنظمة العربية في كلمة ألقاها نيابة عنه مستشاره الدكتور عبدالله الهزاع في ندوة افتراضية نظمها المنتدى السعودي للأبنية الخضراء يوم 27 أغسطس 2020 بمناسبة الذكرى 75 لتأسيس الأمم المتحدة: إن المنظمة العربية للهلال الأحمر وغيرها من المنظمات ذات الطابع الإنساني تتطلع إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات والتدابير لإعادة التوازن البيئي للحياة بدعم الحكومات.
وفيما يلي نص كلمة الأمين العام:
خلق الله الكون بجميع مكوناته في تركيبة نسبية موزونة للحياة الطبيعية للكائنات الحية؛ وجعل بين تلك الأحياء المتنوعة تكافلاً معيشياً يضمن البقاء للجميع إلى أجل عمري؛ وذهب الإنسان إلى ممارسة أنشطة صناعية وزراعية بحثاً عن حياة أكثر سعادة ورفاهية؛ مستغلاً العناصر المكونة في التربة والماء ؛ والنباتات الخضراء من أشجار الغابات ؛ والشجيرات الصغيرة التي تشكل كلها غطاءً نباتياً للتربة له دوره في التوازن البيئي ؛ والذي اختل بسبب عبث الإنسان ؛ وتبعه تغير مناخي له ظواهر مؤثرة في حياة البشرية بدرجات متفاوتة؛ وعلى هيئة صور عديدة بعضها كارثي على هيئة أعاصير وسيول جارفة؛ وتصحر في مكان وفيضانات في مكان لم تكن تظهر من قبل بذلك التكرار المتسارع ؛ مما نتج عنه لجوء ونزوح لأعداد كبيرة من البشر وظهرت جراثيم “فيروسية وبكتيرية” تهدد حياة الناس وليس ما يشهده عالم اليوم من تلك الكوارث المناخية والصحية إلا نتاج للعبث في التركيبة الطبيعية للبيئة الصالحة للحياة؛ وتأتي كارثة كورونا التي عصفت بالعالم كله المتحضر منه والنامي وجعلته يقف مذهولاً من هول تلك الكارثة؛ وهي مثالاً واقعياً حياً لتلك التغيرات ؛ ومع أن الدول قد تنبهت في وقت مبكر بأهمية الحفاظ على البيئة ــ من النصف الثاني قبل انتهاء القرن العشرين ــ وشعرت بالحاجة إلى توافق أممي لتنظيم الحياة؛ فتولدت فكرة إنشاء عصبة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945؛ لغرض إيجاد قوانين ومعاهدات ملزمة للدول المتعاقدة؛ وكانت المملكة العربية السعودية من المؤسسين لهذا الكيان العالمي ؛ وقبل ذلك بوقت يسير كانت ولادة جامعة الدول العربية التي تدور في الفلك نفسه؛ وبالفعل أصدرت الأمم المتحدة بالتوافق أو بالأغلبية قرارات ومعاهدات لحماية البيئة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر كحماية الشواطئ ومياه البحار والأنهار والهواء من التلوث؛ وعدم جرف المناطق الخضراء ؛ والحد من النزاعات المسلحة التنافس في الصناعات الحربية المدمرة للبيئة .
إلا أن الثورات الصناعية المتعاقبة وما حققته من زيادة ظاهرة في رفاهية الإنسان ؛ يقترن بها مضرة خفية أو غير محسوسة من العامة وأشتد التمادي في هذا الأمر ؛ تمادياً تدفعه أهداف اقتصادية أو قد تكون سياسية طغت على الجانب الإنساني في كثير من الأحيان؛ ومع ما يلمسه عالم اليوم من شح في مناتج الغذاء ومصادر الماء الكافي لحاجة البشرية ؛ نتيجة لمخلفات الصناعات المدنية ؛ ومخلفات الصناعات الحربية ؛ والزحف على المناطق الخضراء بدرجة عالية لتحويلها إلى مناطق سكنية ؛ أو صناعية ؛ فقد شعر الإنسان بخطورة ما يحيط بحياته من دمار بيئي؛ وراح يعيد النظر في تنظيم شؤون حياته على المستوى الفردي والمجتمعي؛ وتحركت الدول منفردة أو من خلال مؤسساتها الإقليمية والأممية للحد من تمادي الضرر البيئي برصد مسبباته والحد منه؛ وعلاج ما تم من نواتج ضارة بالبيئة ؛ عسى أن يلحق بها ويعيد التوازن البيئي ؛ إلى ما يقرب من معدلاته الآمنة ؛ وإننا كمنظمات ذات طابع إنساني كَوَّنها المجتمع المدني ؛ نتطلع إلى اتّخاذ مزيد من الإجراءات والتدابير التي تعيد للحياة توازنها الطبيعي ؛ ونتأمل من الحكومات كونها صاحب القرار ولها اليد الطولى في ذلك أن تأخذ الأمر بحزم أكثر لاستعادة الاستقرار البيئي والمحافظة عليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
